التجارة العالمية تمر بأقسى اختبار
أجهضت الانهيارات
المتكررة في المفاوضات تقدم نظام التجارة الدولي منذ ولادته في أعقاب الحرب
العالمية الثانية. إلا أن قدرة النظام على النهوض من الرماد، مثل طائر العنقاء،
تعتبر دليلاً على حيويته. ومع ذلك ينبغي عدم أخذ تلك القدرة كما لو كانت أمراً
مسلماً به، إذ إن ما حدث من فشل أخيراً، في جنيف في التوصل إلى اتفاق بشأن كيفية
المضي قدماً في جولة الدوحة للمفاوضات متعددة الأطراف يعتبر بمثابة كارثة
محتملة. لقد ساعد النظام التجاري طوال 57 سنة، على تحقيق خفض كبير في حواجز
التجارة، ونمو ضخم في التجارة العالمية، ونظام تحكيم ملزم لكل أعضائه. ونظام
التجارة الدولي اليوم نظام تعاون ناجح على نحو فريد، وهو إنجاز من الصعب تجاهله
ببساطة. ومع ذلك أصبح النظام ضحية لنجاحاته السابقة. فهو بعدما أصبح أكثر شمولية
في نطاقه، وملزماً في تأثيره، وعالمياً في امتداده، بات من الصعب أن يحرز تقدماً
إضافياً. ومع توسعه ليشمل الزراعة والخدمات، فإن نظام التجارة العالمية يؤثر
الآن على أغلب الإنتاج من سلع وخدمات. ومع تغطيته اللوائح المحلية، الإعانات،
الملكية الفكرية، وتدابير الاستثمار المتعلقة بالتجارة، تدخل النظام تدخلاً
عميقاً في السياسات المحلية. ومع نظامه الجديد لحسم النزاعات، أصبحت قواعده من
الصعوبة بحيث يتعذر تجاهلها. وبعضوية تزيد على 150 عضواً، أصبح النظام عالمياً.
وأخيراً، فإن هذه الشمولية، إلى جانب تقليد الإجماع، جعلا التوصل إلى اتفاقيات
أمراً فائق الصعوبة.
لقد أصبحت هذه الضغوط
شديدة الوضوح. ومن بين الاجتماعات الوزارية انتهى اثنان منها. في سياتل في 1999
وكانكون في 2003 بالفشل. وكان اجتماع الدوحة، الذي جاء تدشينا للجولة الحالية،
ناجحاً، وإن كان تفسير ذلك يعزى جزئياً إلى التوقيت، إثر الهجمات الإرهابية على
الولايات التمحدة في 11/9.
إن الفشل الذي حدث
أخيراً في تحديد كيفية المضي في جولة المفاوضات ربما يؤدي إلى تأجيل استكمال
الجولة لأجل غير مسمى. ومن المحتمل أن تعمل السلطات المهمة في التجارة على تجاه
ما تنظر إليه كخلل وظيفي في التنظيم. وستزيد بكل تأكيد الترتيبات الأحادية،
الثنائية، والإقليمية. ومن ثم، فإن الإنجاز الملحوظ في نظام الحكم العالمي
الرشيد ربما يتلاشى ببطء في وقت يتم فيه اللجوء إليه لاستيعاب ظهور قوى اقتصادية
هائلة جديدة. وإذا كانت تكاليف الفشل كبيرة، فستكون الحوافز الممكنة للنجاح
كبيرة بالمثل. وتشير تحليلات البنك الدولي إلى أن المكاسب العالمية من التجارة
الحرة ستبلغ في مجملها 520 مليار دولار في السنة (بأسعار 1997) بحلول 2015.
وسيأتي أكثر قليلاً من نصفها من الفوائد التي تحققها البلدان النامية جراء عملية
التحرير لديها. وبالمثل يجادل وليام كلاين من معهد الاقتصاد الدولي ومقره في
واشنطن بأن: "التجارة العالمية الحرة تستطيع خفض الفقر العالمي لنحو 540
مليون شخص كتقدير معتدل"، الأمر الذي يمثل الخط الرابع أو أكثر في المستوى
القاعدي لعام 2015. وليس ممكناً في هذه المرحلة المتقدمة أن يعمل شخص من خارج
النظام على مناقشة تفاصيل المفاوضات الجارية الآن. إلا أنه من الممكن تماماً لفت
انتباه المنشغلين فيها إلى مدى أهمية التوصل إلى محصلة ناجحة. ولنبدأ من ثم
بالدول التجارية الصغيرة والضعيفة. مجموعة التسعين، كما بات يطلق عليها الآن. إن
هذه الدول لديها مخاوف مشروعة من التأثير المحتمل للتحرير العالمي على
التفضيليات التجارية التي تحضى بها. وللعديدين أيضاً مخاوف لها ما يبررها حول
بعض السلع. وكما أوضحت ورقة أخيرة أصدرتها وزارة التجارة والصناعة في بريطانيا،
يمثل القطن بين 5 إلى 10 في المائة من إجمالي الناتج القومي في كل من بنين،
بوركينا فاسو، تشاد، مالي، وتوجو. أما في الولايات التمحدة، فيتلقى 25 ألف مزارع
قطن من الإعانات. نحو ثلاثة مليارات دولار. ما يتجاوز إجمالي الناتج الاقتصادي
لدولة بوركينا فاسو، حيث يعتمد على القطن مليونا شخص. إنها فضيحة حقيقية. وحتى
تلك الدول الفقيرة، ينبغي أن تنسى فكرة أن تصبح يوماً من الأعضاء الفاعلين في
منظمة تعاقدية ما لم توافق على بعض الشروط الملزمة. وبالمثل تحتاج إلى تذكر أن
الحماية ضد الواردات تعتبر ضريبة على صادراتها نفسها. وأن التحرير، إذا أحسن
التعامل معه، لن يشكل عبئاً ثقيلاً، بل خدمة لهذه البلدان نفسها.
أما المجموعة الثانية
فهي مجموعة العشرين، التي تشمل عمالقة
المستقبل من البلدان النامية: البرازيل، الهند، والصين، وإن كانت الأخيرة
في تصنيف وحدها. ومن المحتمل أن تستفيد هذه الدول من تحرير التجارة العالمية
وبقاء نظام تجارة تحكمه قواعد. ويجب عليها فعل ما في وسعها للتأكد من التوصل إلى
نتيجة إيجابية.
ويتمثل أحد الطرق في
توفير الوصول السخي للسوق بالنسبة لمجموعة التسعين، فيما يتمثل الآخر في القبول
بأن من غير الممكن للدول المتقدمة إتاحة تحرير ذي شأن دون المشاركة الكبيرة
لمجموعة العشرين. والثالثة، وهي أيضاً المجموعة الأكثر أهمية، هي البلدان مرتفعة
الدخل حالياً وفوقها جميعاً تأتي الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، واليابان
بدرجة أقل. ولا يزال الأمر متروكاً للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لقيادة
هذه المفاوضات نحو نتيجة ناجحة. وإن أرادت فعل ذلك، ينبغي عليها استيفاء مطالب مجموعة
التسعين. وعلى وجه الخصوص، كما قالت شيلا بيج، يجب عليها تعويض تلك البلدان عن
أية تكاليف تترتب على التحرير العالمي للتجارة.
فوق كل ذلك، يجب عليها
قبول حجة الإصلاحات الجذرية لسياساتها الغريبة المتعلقة بتجارة المنتجات
الزراعية. وإذا كان جاك شيراك يرى من اللائق الإفصاح عن أن مسودة الاتفاقية الذي
يجري النظر فيها من قبل مفاوضي منظمة التجارة العالمية تعتبر غير متوازنة كما
أنها ضد مصالح الاتحاد الأوروبي، فلابد أن تكون تلك المسودة في جادة الصواب. وما
يرغب الرئيس الفرنسي في الإبقاء عليه هو حق بلاده في إغراق أسواق العالم. وفي
هذا الصدد، فإن التجاهل هو أفضل استجابة لهذه القطعة التقليدية من التعويقية.
وبدلاً عن ذلك، دع المفاوضين يعرضون على فرنسا أمراً نافذاً لا مرد له.
ليس المطلوب استكمال
المفاوضات، بل الاتفاق فقط على كيفية إجرائها. ولا شك أن الفضل للمرة الثانية سيشكل
لطمة قاسية. ويجادل بعضهم بالقول إن عدم التوصل إلى اتفاق أفضل من التوصل إلى
اتفاق سيئ. إلا أنه لا توجد اتفاقية ضارة في ذاتها. وما يحتاج إليه العالم هو
تسوية تكون أفضل للجميع من لا شيء. لكن العثور على ذلك أمر ليس سهلاً. ومع ذلك
يجب على المفاوضين الابتعاد عن الرضا بلا شيء.
|