من الطبيعي أن تشهد أي سوق مالية فترة تراجع في أسعار الأسهم المدرجة
خاصة خلال الفترة الزمنية التي تسبق الإعلانات المهمة، مثل نتائج الشركات ربع
السنوية أو قرب صدور أرقام وقرارات اقتصادية مهمة. وللحفاظ على ما تحقق من أرباح
عادة ما يقوم المتعاملون بتسييل جزء من محافظهم تحسباً لأي مفاجآت غير سارة.
فهذا شيء جيد ويساعد على استقرار حركة أسعار المؤشر، كذلك يعكس زيادة في وعي
المتعاملين وحرصهم على متابعة أوضاع الشركات التي يستثمرون في أسهمها.
ولكن من غير الطبيعي أن تستمر سوق الأسهم السعودية عرضة لتقلبات سعرية
شرسة، تارة تسجل ارتفاعات تصل إلى ما يزيد على 500 نقطة في يوم واحد ومن ثم تفقد
أكثر من 600 نقطة في اليوم التالي. فمن الواضح أن السوق تعاني من ثغرات هيكلية
تجعل من السهل على أي مضارب مهما صغر حجمه السيطرة على حركة أسعار بعض السهم
خاصة أسهم الشركات ذات الرساميل الصغيرة. ولقد أثبتت الأيام القليلة الماضية أن
بإمكان كبار المضاربين وصناديق الاستثمار القيام بسحب البساط أو السيولة، سمها
ما شئت من تحت أرجل صغار المستثمرين عن طريق الابتعاد عن البيع والشراء.
وأحياناً عن طريق "رش" السوق أي بيع كميات قليلة بأسعار منخفضة لكي
تتهاوى أسعار الأسهم وترتبك الغالبية العظمى من صغار المستثمرين الذين يقومون
بالبيع وتسقط مدخراتهم في أفواه القرش أو الهوامير. ففي كلتا الحالتين تتهاوى
أسعار الأسهم رغم محدودية الكمية المتداولة، وعلى سبيل المثال انخفض سهم إحدى
الشركات نحو 4 في المائة بكمية تداول لم تتجاوز 261 سهماً!! وهل يعقل أن تصل
حالة الفوضى والارتباك إلى درجة يصبح بإمكان أي طرف بيع كمية قليلة من أسهم
محفظته بأسعار متدنية تحت أسعار السوق لكي سحب سعر هذا السهم أو ذاك لأدنى سعر
ممكن ومن ثم يقوم بالتجميع على راحته؟ فقد حدث ذلك عشرات المرات على مدى السنتين
الماضيتين ولم يسلم من هذه الممارسات إلا سهم شركة واحدة، والسبب هو ن كمية
الأسهم المتاحة للتداول من أسهم هذه الشركة تعد هي الأكثر بين أسهم الشركات
المدرجة.
ولذلك يمكننا القول إن الحاجة أصبحت ملحة لأن تقوم الجهات المختصة
باتخاذ خطوات سريعة نحو القيام بتجزئة الأسعار الاسمية للأسهم لتصبح عشرة أو
خمسة ريالات بدلاً من 50 ريالاً في الوقت الحالي. فقد تكون هذه الخطوة هي الأفضل
لزيادة عدد الأسهم المتاحة للتداول لكي يزداد عمق السوق وتصبح التذبذبات السعرية
معقولة. أيضاً وحسب اعتقادي أن التجزئة أفضل بكثير من أن تقوم الدولة ببيع حصتها
في الشركات القيادية، حيث تساعد ملكية الدولة أو مشاركتها في قطاعات مثل
الاتصالات والكهرباء على تنويع مصادر الدخل. وعلى الرغم من اعتقادي بأن هذه
الخطوة ستتخذ لا محالة إلا أنني أرجو أن تقوم الجهة المسؤولة عن هذا الملف بحسم
موقفها قبل دخول المستثمر غير السعودي وصناديق الاستثمار الأجنبية أو البنوك
الدولية. وكما تعلمون يحق لأي سوق مالية أن تعطي المستثمر المحلي الفرصة العادلة
لكي يستطيع صغار المدخرين من المواطنين تنمية مدخراتهم وبناء محافظ استثمارية
جيدة تتكون من أسهم شركات سعودية قيادية. فدون أدنى شك ستقوم البنوك الأجنبية
المرخص لها حديثاً ببناء صناديق استثمارية تستثمر في الأسهم المحلية وأيضاً هناك
محاولات مستمرة من شركات استثمار وبنوك تعمل في أسواق مجاورة لدخول سوق المال
السعودية واقتناص الفرص المربحة خاصة ما يتعلق بتجميع أسهم معينة قبل التجزئة.
لهذا تأتينا بعض التقارير التي أعدتها بنوك ومؤسسات إقليمية وعالمية لتقول لنا
إن أسعار أسهمكم مرتفعة وتحتاج إلى حركة تصحيحية قوية لكي تصبح الأسعار معقولة
وطبيعية!! ولم تقتصر الارتفاعات على أسعار الأسهم السعودية وحدها بل شملت جميع
أسواق المنطقة، حيث تخطت نسب النمو في أسعار بعض البورصات الأصغر حجماً 500 في
المائة خلال أقل من ثلاث سنوات.
ومن المعروف أن مؤشر أسعار الأسهم السعودية نما بنحو 430 في المائة خلال
السنوات الثلاث الماضية، حيث قفز مؤشر تداول للأسهم السعودية TASI من 2800 نقطة بداية عام 2003
إلى ما يقارب 13200 نقطة عند إغلاق التداول أول أمس السبت. فإضافة إلى ارتفاع
نسب السيولة النقدية (ن3) التي تجاوزت 520 مليار ريال واستمرار انحسار القنوات
الاستثمارية في سوقي الأسهم والعقار شهدت السنوات الثلاث الماضية صحوة اجتماعية
في النواحي الاستثمارية شملت شرائح المجتمع كافة، ويمكن تسميتها حمى التعامل في
الأسهم. فلا يزال عدد المتعاملين في سوق الأسهم يزداد بشكل سريع خاصة مع اختتام
كل عملية اكتتاب أو طرح أولي IPO ليتخطى عدد المتعاملين بشكل يومي حاجز مليون و200 ألف مستثمر
مقارنة بـ47 ألف مستثمر قبل ثلاث سنوات. وخلال الأسبوع الأخير من تموز (يوليو)
2005 شهدت البورصة السعودية أداء مميزاً مدعوماً بمتوسط أسعار نفط يزيد على 55
دولاراً لبرميل وست تكساس. وبالتأكيد سيسهم ارتفاع سعر النفط في استمرار
التوقعات المتفائلة بخصوص أرباح الشركات المساهمة، وأن الأرباح ستستمر ي النمو
وقد تتجاوز ما حققته خلال النصف الأول. لذلك اشتدت حمى التداول خلال الأيام
القليلة الماضية وارتفع حجم التداول بشكل ملحوظ لتسجل كميات الأسهم المتداولة
مستويات تخطت 40 مليون سهم. وكان أداء القطاع الصناعي هو الأبرز لأسباب عديدة،
من أهمها الأرباح نصف السنوية التي حققتها الشركات القيادية في هذا القطاع.
أيضاً وفي القطاع نفسه ساهمت الإعلانات المستمرة عن مشروع ينساب للبتروكيماويات
الذي تتشارك فيه عدة شركات صناعية صغيرة مع أحد عمالقة هذا القطاع في أن يستمر
ارتفاع أسعار أسهم تلك الشركات، علماً أن نتائج أغلب الشركات عن النصف الأول من
هذا العام كانت قوية جداً ولم يتوقعها أغلب المحللين، حيث تم تحقيق أرباح غير
مسبوقة بعضها لشركات كانت تعلن عن خسائر إلى وقت قريب. ومع اختراق أسعار النفط
حاجز 60 دولاراً خلال نهاية الأسبوع الماضي يوم الجمعة 29 تموز (يوليو) سيزداد
التفاؤل وسينعكس ذلك على أداء سوق الأسهم لتتجه الأسعار نحو حاجز 14000 نقطة.
وبالطبع هناك أسباب أخرى تجعلنا نتوقع مزيداً من الارتفاعات في أسعار الأسهم
السعودية على رأسها البطء في الترخيص لمزيد من الطروحات الأولية IPOs أو إيجاد قنوات استثمارية
جديدة. فكما تعلمون تتمتع السوق المالية في المملكة بتوافر نسب سيولة ضخمة جاهزة
للاستثمار، ففي حال لم تجد هذه السيولة قنوات استثمارية بديلة أو كميات معقولة
من الأسهم المتاحة للتداول فإنها ستستمر في الضغط على أسعار الأسهم نحو الأعلى.
لذا أتوقع أن ينتقل سعر مؤشر TASI إلى مرحلة جديدة ويسجل نطاقات سعرية جديدة فوق 15000 نقطة وقد
تقترب من 17000 نقطة قبل نهاية العام الجاري.
جريدة
الاقتصادية / الاثنين 26 جمادى الآخرة 1426هـ 1 أغسطس 2005